محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

160

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وقال أيضا في مكان آخر من الفنون قد رجعت إلى معتقدي في المكتب متبعا للكتاب والسنة ، وأبرأ إلى اللّه عز وجل من كل قول حدث بعد أيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس في القرآن ولا في السنة . وقال أيضا : كل يوم تموت منك شهوة ولا تحيا منك معرفة ، وا عجبا ! يختلف الناس في ماهية العقل ولا يدرون ، فكيف يقدمون على الكلام في خالق العقل - وقال أيضا : قد تكرر من كثير من أهل العلم لا سيما أصحابنا قولهم : مذهب العجائز أسلم ، فظن قوم أنه كلام جهل ، ولو فطنوا لما قالوا لاستحسنوا وقع الكلمة وإنما هي كلمة صدرت عن علو رتبة في النظر ، حيث انتهوا إلى غاية هي منتهى المدققين في النظر ، فلما لم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات والتأويلات بالاعتراض في أصل الوضع ، وقفوا مع الجملة التي هي مراسم الشرع ، وجنحوا عن القول بالتعليل ، فإذا سلم المسلمون ، وقفوا مع الامتثال حين عجز أهل التعليل فقد أعطوا الطاعة حقها ، ولقد علل قوم فمنعوا العقل عن الإصغاء إلى ذلك الإذعان بالعجز . ووجدت في كتاب لولد ولد القاضي أبي يعلى ذكر فيه خلافا في المذهب وكلام أحمد في ذلك قال : والصحيح من المذهب أن علم الكلام مشروع مأمور به ، وتجوز المناظرة فيه والمحاجة لأهل البدع ووضع الكتب في الرد عليهم ، وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق القاضي والتميمي في جماعة المحققين ، وتمسكوا في ذلك - مع استغنائه عن قول يسند إليه - بقول الإمام أحمد في رواية المروذي إذا اشتغل بالصوم والصلاة واعتزل وسكت عن الكلام في أهل البدع فالصوم والصلاة لنفسه وإذا تكلم كان له ولغيره يتكلم أفضل . وقد صنف الإمام أحمد رحمه اللّه ورضي عنه كتابا في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره ، واحتج فيه بدلائل العقول وهذا الكتاب رواه ابنه عبد اللّه وذكره الخلال في كتابه ، وما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ . قال أحمد في رواية حنبل : قد كنا نأمر بالسكوت فلما دعينا إلى أمر ما كان بد لنا أن ندفع ذلك ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه . ثم استدل لذلك بقوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ سورة النحل : الآية 125 ] . وبأنه قد ثبت عن رسله الجدال ، ولأن بعض اختلافهم حق وبعضه باطل ، ولا سبيل إلى التمييز بينهم إلا بالنظر فعلمت صحته . وقال ابن طاهر المقدسي الحافظ : سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد اللّه بن محمد الأنصاري بهراة يقول : عرضت على السيف خمس مرات ، لا يقال لي : ارجع عن مذهبك ، لكن يقال لي : اسكت عمن خالفك ، فأقول لا أسكت . وقال ابن طاهر وحكى لنا أصحابنا أن السلطان ألب رسلان حضر هراء وحضر معه وزيره أبو علي الحسن بن علي فاجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة